معسكرات الاعتقال العاطفي
كتبهاأنثى ، في 11 يونيو 2007 الساعة: 15:03 م
.
.
من أجمل أقوال الإمام عليّ (كرّم اللّه وجهه) قوله: "أحِبَّ من شئت فأنت فاقده". يُذكِّرني بقول آخر له،" لكلِّ مُقبل إدبار، وكلُّ مُدبر كأن لم يكن". لكأنّ علينا أن نعيش السعادة كلحظة مهدَّدة،ونتهيّأ مع كلّ امتلاك لحتميّة الفقدان.
وكما يقوم نزار قباني بـ"تمارين يوميّة في الحبّ"، ربما علينا القيام يومياً بالتمرُّن على فاجعة فراق أقرب الناس إلينا، قصد الحفاظ على لياقتنا العشقيّة، وتقوية عضلة القلب بالانقطاع بين حين وآخر عن الذين نحبّهم حدّ استعبادهم لنا.
فراق الْمُحبِّين، وما يليه من آلام النهايات الحتميّة، حسب منطق "الأطلال" الكلثوميّة، علينا الاستعداد له منذ فخّ النظرة الأُولى. كان أجمل، لواستطعنا الاحتفاظ بجَمَالية البدايات، واكتشافات تُشوِّه الحلم الأوّل، لو أن الحبّ لم يمضِ بنا صوب خلافات وشجارات، ، تجعل الحب الكبير يموت صغيراً.
على الرغم من هذا، لا أُوافق محمود درويش حين يقول: "لا أحبُّ من الحبِّ سوى البدايات". فليست البدايات هي التي تصنع الحب. إنّما ذلك الذهاب والإياب العشقيّ، ذلك الكوكتيل العجيب من العواطف الْمُتداخلة المتزاحمة المتناقضة، مدّاً وجزراً، صدّاً ووصلاً، حبّاً وكرهاً، هي التي تصنع أسطورة الحبّ، وتُحبِّب للمحبِّين عذابه وتقلّباته.
فـ"من ده وده.. الحبّ كِدَه"، ولا مجال لقطف وروده من دون أن تُدمي يدك. بل ثمَّة من "علشان الشوك اللّي في الورد يحبّ الورد"، وهونفسه مَن غنّى "مضناك جفاه مرقده وبكاه ورُحّم عُوّده"، وكان عبدالوهاب يتربّع على عرش العذاب العشقي، ويستمتع به حدّ تفضيله خلوة مع العذاب على خلوة مع الحبيب: "أنا والعذاب وهواك عايشين لبعضينا". حتى جاء مَن يُزايد عليه في مازوشيته، مُعلناً من غرفة العناية الفائقة للعشّاق "عِش أنت إني متُّ بعدك".
كان الموت السريري لفريد الأطرش متوقعاً لدى مُحبِّي نواحه العاطفيّ مذ أعلن في أغنيته مُنتحبة الآهــات،أنّ "الحب من غير أمل أسمى معاني الحياة"، فأودى بجيل بأكمله، جاعلاً من الموت حبّاً وغبناً.. أجمل أنواع الميتات!
وهي طريقة شاذة في الحبّ، لا أتباع لها إلاّ في العالَم العربي، حيث حزب السعادة محظور ولا ينشط إلاّ كتنظيم سرِّي. فبسبب تشوّهات عاطفيّة وجينيّة يطول شرحها، عندما لا يجد الإنسان العربيّ حاكماً يتكفّل بتنغيص حياته، وخنق أنفاسه ورميه في غياهب السجون، يتولّى بنفسه أمر البحث عن حبيب،تتوافر فيه كلُّ مواصفات الطُّغاة والجبابرة، وعندما يعثر على ديكتاتور لا يرحم،يسلمه روحه كي يفتك بها حبّاً، بعد اقتياده إلى معسكرات الاعتقال العاطفيّ، واختباركلِّ عدَّة التعذيب العشقيّ على قلبه الأعزل المستسلم لقدره العشقي استسلام العراقيّ لأهوال محتلّه.
وبسبب هذا الواقع الذي انعكس على نمط طربنا المبارك لطُغاة الحبّ، والمطالب بفتح مزيد من سجون "أبو غريب" العشقيّة، يصعب على أيِّ منظمة إنسانية إحصاء الجرائم العاطفيّة في الأغاني العربيّة، التي كثيراً ما يُضاف إليها هذه الأيام هتك الْمُغنّي ذوق المستمعين، وثقب مسامعهم بصراخه وزعيقه.
وفي حمّى تكاثر الجمعيات التي تظهر كل يوم باسم ضحايا الإرهاب، وضحايا الفيضانات،وضحايا المباني المهددة بالانهيار، اقترح أحد القرّاء الجزائريين تشكيل "جمعية ضحايا الحب من طرف واحد". ولو عاش الموسيقار فريد الأطرش لكان رئيساً شرفياً لها،لولا أنه كان ضحية نموذجية من ضحاياها!
وخطر لي أن أُزيد على اقتراح هذا القارئ، بأن يكون لهذه الجمعيّة فرع في كل دولة عربيّة، وألاّ يقتصر الانخراط فيهاعلى العشّاق وحدهم، بل يشمل أيضاً المواطنين العرب، الذين يعانون من أوطان لاتبادلهم الحب، ولا يعنيها أن تسحق الحاجة هاماتهم، أو تتقاذف المنافي أقدارهم.
قَدَرُ الإنسان العربيّ أن يعيش أسيراً، مُستبَاح القلب، مُنتَهك الأمنيات، يتحكّم طاغيتان في قدره، هارباً من هذا إلى ذاك، هو فقط يعتقد أن سوط الحبّ أرحم، مادام لا أحد يلحظ أثار جلداته على جسده.
وكما يقوم نزار قباني بـ"تمارين يوميّة في الحبّ"، ربما علينا القيام يومياً بالتمرُّن على فاجعة فراق أقرب الناس إلينا، قصد الحفاظ على لياقتنا العشقيّة، وتقوية عضلة القلب بالانقطاع بين حين وآخر عن الذين نحبّهم حدّ استعبادهم لنا.
فراق الْمُحبِّين، وما يليه من آلام النهايات الحتميّة، حسب منطق "الأطلال" الكلثوميّة، علينا الاستعداد له منذ فخّ النظرة الأُولى. كان أجمل، لواستطعنا الاحتفاظ بجَمَالية البدايات، واكتشافات تُشوِّه الحلم الأوّل، لو أن الحبّ لم يمضِ بنا صوب خلافات وشجارات، ، تجعل الحب الكبير يموت صغيراً.
على الرغم من هذا، لا أُوافق محمود درويش حين يقول: "لا أحبُّ من الحبِّ سوى البدايات". فليست البدايات هي التي تصنع الحب. إنّما ذلك الذهاب والإياب العشقيّ، ذلك الكوكتيل العجيب من العواطف الْمُتداخلة المتزاحمة المتناقضة، مدّاً وجزراً، صدّاً ووصلاً، حبّاً وكرهاً، هي التي تصنع أسطورة الحبّ، وتُحبِّب للمحبِّين عذابه وتقلّباته.
فـ"من ده وده.. الحبّ كِدَه"، ولا مجال لقطف وروده من دون أن تُدمي يدك. بل ثمَّة من "علشان الشوك اللّي في الورد يحبّ الورد"، وهونفسه مَن غنّى "مضناك جفاه مرقده وبكاه ورُحّم عُوّده"، وكان عبدالوهاب يتربّع على عرش العذاب العشقي، ويستمتع به حدّ تفضيله خلوة مع العذاب على خلوة مع الحبيب: "أنا والعذاب وهواك عايشين لبعضينا". حتى جاء مَن يُزايد عليه في مازوشيته، مُعلناً من غرفة العناية الفائقة للعشّاق "عِش أنت إني متُّ بعدك".
كان الموت السريري لفريد الأطرش متوقعاً لدى مُحبِّي نواحه العاطفيّ مذ أعلن في أغنيته مُنتحبة الآهــات،أنّ "الحب من غير أمل أسمى معاني الحياة"، فأودى بجيل بأكمله، جاعلاً من الموت حبّاً وغبناً.. أجمل أنواع الميتات!
وهي طريقة شاذة في الحبّ، لا أتباع لها إلاّ في العالَم العربي، حيث حزب السعادة محظور ولا ينشط إلاّ كتنظيم سرِّي. فبسبب تشوّهات عاطفيّة وجينيّة يطول شرحها، عندما لا يجد الإنسان العربيّ حاكماً يتكفّل بتنغيص حياته، وخنق أنفاسه ورميه في غياهب السجون، يتولّى بنفسه أمر البحث عن حبيب،تتوافر فيه كلُّ مواصفات الطُّغاة والجبابرة، وعندما يعثر على ديكتاتور لا يرحم،يسلمه روحه كي يفتك بها حبّاً، بعد اقتياده إلى معسكرات الاعتقال العاطفيّ، واختباركلِّ عدَّة التعذيب العشقيّ على قلبه الأعزل المستسلم لقدره العشقي استسلام العراقيّ لأهوال محتلّه.
وبسبب هذا الواقع الذي انعكس على نمط طربنا المبارك لطُغاة الحبّ، والمطالب بفتح مزيد من سجون "أبو غريب" العشقيّة، يصعب على أيِّ منظمة إنسانية إحصاء الجرائم العاطفيّة في الأغاني العربيّة، التي كثيراً ما يُضاف إليها هذه الأيام هتك الْمُغنّي ذوق المستمعين، وثقب مسامعهم بصراخه وزعيقه.
وفي حمّى تكاثر الجمعيات التي تظهر كل يوم باسم ضحايا الإرهاب، وضحايا الفيضانات،وضحايا المباني المهددة بالانهيار، اقترح أحد القرّاء الجزائريين تشكيل "جمعية ضحايا الحب من طرف واحد". ولو عاش الموسيقار فريد الأطرش لكان رئيساً شرفياً لها،لولا أنه كان ضحية نموذجية من ضحاياها!
وخطر لي أن أُزيد على اقتراح هذا القارئ، بأن يكون لهذه الجمعيّة فرع في كل دولة عربيّة، وألاّ يقتصر الانخراط فيهاعلى العشّاق وحدهم، بل يشمل أيضاً المواطنين العرب، الذين يعانون من أوطان لاتبادلهم الحب، ولا يعنيها أن تسحق الحاجة هاماتهم، أو تتقاذف المنافي أقدارهم.
قَدَرُ الإنسان العربيّ أن يعيش أسيراً، مُستبَاح القلب، مُنتَهك الأمنيات، يتحكّم طاغيتان في قدره، هارباً من هذا إلى ذاك، هو فقط يعتقد أن سوط الحبّ أرحم، مادام لا أحد يلحظ أثار جلداته على جسده.
(منقول..من مقالات الأدبية أحلام مستغانمي)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : من أوراقهن | السمات:من أوراقهن
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يونيو 12th, 2007 at 12 يونيو 2007 6:21 ص
اعجببتني المقالات كثيرا
واسلوب كلماتك في ادراجاتك السابقة رقيق جدا وحساس للغاية ادعوك لقراءة مدونتي وشكرا ايتها الانثى
يونيو 12th, 2007 at 12 يونيو 2007 4:12 م
ادراج رائع
سلمت اناملك
على مدونتي نقاش جديد
حول نكسة حزيران ومسبباتها
هذه
((((((((((( دعوة شخصية لك ))))))))))))
يونيو 13th, 2007 at 13 يونيو 2007 2:55 م
عش ما شئت ….فانك ميت …
و احبب من شئت فانك مفارق ………….
فسبحان الذي قهر عباده بالموت …..
ولكن رحمهم بالنسيان ………………….
شدني عنوان مدونتك.. ودفعني الفضول لأعرف من تكون.. ييييين
فقرأت فيك حوااااااااااااااااااء ………..
حواء …….ما زالت ….حواء …
فلربما ان لم يكن في عنوان مدونتي كملة فارس ….
اعتقد بانك لم تزوريها …
و لربما ان لم يكن في المقال الذي قراتيه صورة فارس …
فلربما لن تقرايها ….. انما هي الانثى ……
تبقى انثى ………..
شكرا لمرورك بمدونتي …..فقد اكسبتني عنوان مدونتك الشيقة ….
والتي تستحق ان تكون من مدوناتي المفضلة ..ولي الفخر
يونيو 13th, 2007 at 13 يونيو 2007 4:23 م
ما نقلته رائع و أكثر
دعيني آخذك الى التفسير العلمي للحب او فلنقل لكل المشاعر ، فإنه كأي شعور يشكل تيارا عصبيا كهربائيا يسري في خلايا الدماغ ، فإذا ترك المحب نفسه لمشاعر التفكير في الحبيب ، يتكون مسارا عصبيا بشكل فعلي ، فالدماغ يتم برمجته على التفكير بشخص معين طول الوقت مثلا و لذلك يصبح هذا الشخص إدمان بكل معنى الكلمة ، و نفقد السيطرة على التفكير فيه ليس هذا سحر الحب كما هو شائع بل هو الدماغ و تياراته الكهربائية و المسارات العصبية التي برمجناها بإرادتنا ثم تركناها لتسيطر علينا
و يقول انتوني روبنز انه للسيطرة على مشاعرك مرة اخرى يجب ان نعمل على قطع ذلك المسار العصبي ، و تكوين مسار آخر بديل .. بمعنى انه يجب ان نتعامل مع مشاعرنا بشكل ارادي ، فعند التفكير بشخص او بعادة مثل التدخين او بأي هاجس يسيطر علينا يجب وقف التفكير فورا و تحويله لمسار آخر ، و مع تكرار هذه العكلية يتوقف بالفعل المسار العصبي التلقائي القديم و ننسى الشخص او العادة التي نريد تركها
المثل يقول اسأل مجرب .. قد جربت هذه النظرية و نجحت معي
يونيو 14th, 2007 at 14 يونيو 2007 1:08 ص
حلوة المقالة
تفضلي بزيارة مدونتي
يونيو 17th, 2007 at 17 يونيو 2007 3:31 م
كنت منساقة وراء الكلمات انسياقي الدائم وراء روعة اسلوب وتفرد منطق احلام ظانة انه حرفك
نقل مميز ياسيدتي
وكما قيل لي يوما انه ليس مهم من اقتبسنا منه فنحن عندما نقتبس نضع انفسنا في الامتحان
دمت رائعة
فبراير 18th, 2008 at 18 فبراير 2008 11:11 م
عش ما شئت ….فانك ميت …
و احبب من شئت فانك مفارق ………….
فسبحان الذي قهر عباده بالموت …..
ولكن رحمهم بالنسيان ………………….
شدني عنوان مدونتك.. ودفعني الفضول لأعرف من تكون.. ييييين
فقرأت فيك حوااااااااااااااااااء ………..
حواء …….ما زالت ….حواء …
فلربما ان لم يكن في عنوان مدونتي كملة فارس ….
اعتقد بانك لم تزوريها …
و لربما ان لم يكن في المقال الذي قراتيه صورة فارس …
فلربما لن تقرايها ….. انما هي الانثى ……
تبقى انثى ………..
شكرا لمرورك بمدونتي …..فقد اكسبتني عنوان مدونتك الشيقة ….
والتي تستحق ان تكون من مدوناتي المفضلة ..ولي الفخر